الشيخ محمد رشيد رضا
265
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وفوائدها ، هو مما هدى اليه الاسلام الذي عظم أمر حسن النية في جميع الأمور ، وحث على طلب الحكمة في كل عمل و ( ثانيا ) ان أمر الأمم بالاعمال والآداب التي تفيدها في مصالحها الاجتماعية ، ومنافع افرادها الشخصية ، ونهيها عن الافعال التي تضر الافراد والجمهور ، لا يقبلان ويمتثلان بمجرد تعليلهما بدفع الضر وجلب النفع كما يزعمون ، لأمرين ( أحدهما ) ان اقناعك جميع أفراد الأمة أو أكثرها بضرر كل ما تراه ضارا ونفع كل ما تراه نافعا متعذر ، ولم يتفق لأحد من العقلاء والحكماء ارجاع أمة من الأمم عن عمل ضار ، ولا حملها على عمل نافع ، بمجرد دعوتهم إلى ذلك بالدليل على نفع النافع وضرر الضار ، ولا ترى أمة ولا قبيلة من البشر متفقة على شيء من ذلك الا بسبب دعوة دينيه ، أو تقاليد أوصلهم إليها اختبارهم الموافق لطبيعة معاشهم ، وكثيرا ما تكون هذه التقاليد المتفق عليها بين قوم مختلفا فيها عند آخرين ، أو متفقا على ضرر ما يراه أولئك نافعا ونفع ما يرونه ضارا ( ثاني الامرين ) أن مجرد الاقناع والاقتناع بضرر الضار ونفع النافع لا يوجب العمل ولا الترك ، لأنه قد يعارضه هوى النفس ولذتها ، فيرجح الكثيرون أو الأكثرون الهوى على المنفعة ، خصوصا إذا كانت لأمتهم لا لأشخاصهم ، واننا نرى هؤلاء المعترضين المساكين يشربون الخمر وهم يعتقدون انها ضارة ، وقد أفقر القمار بيوت أمثلهم وأشهرهم ، وأذل من أذل منهم بالدين والحجز على ما يملك وبيعه حتى قيل إنه أمات بعضهم غما وكمدا ، ونراهم مع ذلك مفتونين به لا يتركونه . فإذا كان هذا شأن أرقاهم علما وفهما وأدبا وفلسفة في اتباع أهوائهم التي ثبت لهم ضررها بالاختبار والعيان ، وليس وراء ذلك برهان ، فكيف يزعمون أنه يمكن تهذيب الأمة بالاقناع العقلي على تعذره ، وما عرفوا من أثره ؟ وأما ما يعنون به من النظافة وبعض الآداب فإنهم لا يأتونه لما عندهم من الفلسفة والعلم بنفعه ، بل قلدوا فيه قوما اهتدوا اليه بأسباب اجتماعية علمية وعملية وتجارب واختبارات عدة قرون . حدثني رجل من أرقى الأمة الانكليزية أخلاقا وآدابا وعلما واستقلالا - وهو مستر متشل أنس « تفسير القرآن » « 34 » « الجزء السادس »